U3F1ZWV6ZTQyOTU0ODUxNjMyX0FjdGl2YXRpb240ODY2MTkyMDM1MzI=
recent
أخبار ساخنة

مشهد يصلح بجدارة أن تهبط عليه الكلمة المريحة#النهاية#


إذاً فقد غرق فرعون وهلك جنوده
عبر موسى عليه السلام ومن معه وقد جعل الله لهم طريقا في البحر يبساً
لحظات مجيدة و يوم مشهود من أيام الله
مشهد يصلح بجدارة أن تهبط عليه الكلمة المريحة
النهاية
لقد انتهت القصة بأعظم صورة يمكن تخيلها وبآية ومعجزة لم تحدث مثلها من قبل ولا من بعد
ماذا نريد أكثر من هذا
هاهو جسد الطاغية قد نجى ليكون لمن خلفه آية
وهاهم المؤمنون يجاوزون البحر بسلام
هي بلا شك نهاية سعيدة أليس كذلك؟!
نجاة المؤمنين وهلاك الظالمين
لعل الحياة تصير بعد ذلك أسهل وأجمل وتكون وردية اللون كما نأمل
لكن الحقيقة أن علينا أن نستعير كلمة نبي الله موسى وإن كان ذلك في موضع مغاير تماما
كلمة "كلا"
كلا لم ينته الأمر
ولم تهبط على الشاشة المتخيلة كلمة النهاية
والحياة ليست رواية درامية تنتهي بهذه النهايات السعيدة
لم تكن لحظة هلاك فرعون التي صمنا منذ أيام احتفاءً بها = هي النهاية
الحق أنها كانت بداية
إن رحلة بني إسرائيل الحقيقية كانت قد بدأت للتو
وإن إخفاقاتهم وفشلهم ورسوبهم المتكرر سيبدأ منذ هذه اللحظة
لحظة النجاة
- یَـا مُوسَى ٱجۡعَل لَّنَاۤ إِلَـٰهࣰا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةࣱۚ
لكن هذه ليست آلهة
تلك الأوثان التي يعكف لها أولئك الذين مررتم بهم ليست إلا أصناما
ولقد أشهدكم الله منذ أيام هلاك وثن مشابه طالما قال أنا ربكم الأعلى
أفلم تعقلوا؟!
أولم تشهدوا؟!
إِنَّكُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ
إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ مُتَبَّرࣱ مَّا هُمۡ فِیهِ وَبَـٰطِلࣱ مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ
هكذا ذكرهم موسى وحاول إعادة توضيح الأمور رغم جلائها
قال أَغَیۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِیكُمۡ إِلَـٰهࣰا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ
سؤال إجابته واضحة
فهل وعوها؟
هل أدركوا معناها
مرة أخرى الإجابة = كلا
الفشل والعصيان والغباء والتمرد كان كل ذلك قد بدأ لتوه
لم تمض شهور ولم يكد ينقضي العام إلا وقد أخرجوا الوثن الكامل في قلوبهم
لم يقتنعوا إذاً بإجابة موسى وتذكيره وقد أُشربوا في قلوبهم العِجل
بمجرد رحيل موسى لميقات ربه وموعده اتخذوا العجل من حليهم ورددوا مع السامري"فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فنسي"
تأمل الكلمة
"فقالوا" وليس فقال
هم الذين قالوا
واتهموا موسى أنه قد نسي
نسي من أيها الحمقى؟
نسي إلهه وخالقه؟!
خرج لميقات من إذاً؟
أي إيذاء هذا وأي تطاول على مقام من رأوا معه كل هذه الآيات والمعجزات؟
لقد حاول بنو إسرائيل بعد ذلك أن ييبرروا جرمهم بشماعة السامري وذلك حين سألهم موسىَ: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
فكانت الإجابة
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
فكذلك ألقى السامري
هكذا حاولوا أن يعلقوا الأمر على شماعة المُضل الذي هو في الحقيقة لم يفعل الكثير
هو فقط ألقى ثم أخرج عجله فكان القول بعد ذلك منهم
هم من قالوا
الفتنة إذا فتنتهم والخيار خيارهم
والضلال ضلالهم أن صدقوا من أرادوا تصديقه
صدقوا السامري
ثم نُفي السامري
وأُحرق عجله ونُسف في اليمِّ نسفا
اليم الذي شهدوا منذ حين شقه إلى فرقين كل فرق كالجبل الشاهق
فهل انتهى الأمر وتم وأد العصيان وكانت النهاية السعيدة؟
مرة ثالثة "كلا"
لم يزل الأمر مبكرا لنزول تلك الكلمة
كلمة النهاية
بالمناسبة لم يكن شق البحر هو المعجزة الوحيدة التي عاينها بنو اسرائيل
بل وعاشوها وانتفعوا بها
لقد عاينوا ما يساويه عظمة وربما يتعداه
لقد رفع الجبل فوقهم كأنه ظلة أثناء أخذ الميثاق والعهد عليهم بطاعة الله والاستسلام لأمره
لم يكن عهدا عاديا أو ميثاقا عابرا بل كان حدثا جللا أختير لحدوثه ذلك الحال المهيب
جبل فوق الرؤوس يهيأ لمن تحت أنه واقع بهم
"وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [ اﻷعراف 171]
هذا فقط كانالمطلوب..
خذوا ما أوتيتم واذكروا واسمعوا وأطيعوا
"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا"
فهل أخذوا؟!
وهل ذكروا؟!
وهل امتثلوا وسمعوا وأطاعوا وقبلوا؟!
أبدا
نفس التمرد والعصيان  والذاكرة السمكية المتقلصة
"قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"
كل هذا ولم يزل موسى عليه السلام حيا يرزق بين ظهرانيهم
وتستمر الخوارق الممزوجة بالنعم
السقيا ترتبط بمعجزة
"وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ"
والطعام والشراب منزل من السماء وميسر من عند الله من دون كدٍّ أو كثير عمل
"وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ"
والعيش الرغد المنعم بمجرد السجود والدعاء بحط الذنوب
"وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ"
فهل فعلوا؟!
هل شكروا؟!
هل سجدوا؟!
هل تأثروا بكل هذا النعيم المعجز وهذا الفضل المقرون بالخوارق؟!
محال
بل لم يكتفوا بالتناسي هذه المرة ولكن بدلوا وسخروا واستهزأوا
"فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
دخلوا يزحفون على أستاههم وأفخاذهم وغيروا القول فقالوا: حنطة حبة في شعرة..
لقد بدلوا القولَ والفعلَ معًا
تخيل مدى السفول والانحطاط الذي قابلوا به كل ما سبق من آيات ومعجزات ونعم
تصور مشهد زحفهم على أستاههم بهذا الشكل المقزز وزيادتهم النون ليتغير المعنى والمبنى دون أي مبرر منطقي اللهم إلا دركات من الخسة لم ير العالم لها مثيلا
وستستمر الذاكرة المنكمشة في تجاهل كل الخوارق والمعجزات المتوالية وليتبعوا كل هذا بقولهم لموسى "لن نؤمن حتى نرى الله جهرة"
ثم إيذاءهم لموسى حين استحيا أن يغتسل على الملأ فادعوا أن بجسده عيبا فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها
ثم قتلهم نفسا واتهامهم لموسى أنه يستهزيء بهم حين أمرهم بذبح بقرة ثم جدالهم الطويل وتشديدهم حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون
ثم تستمر القسوة وتتعاظم حتى تقترب النهاية
أو ما يشبه النهاية
التيه
ذلك التيه الذي ناسب تلك العقول التي لا تستحق أصلا أن يقال عنها أنها عقول
فأي عقول تلك التي تتناسى كل هذه المعية الربانية وتتغافل عن قول رسول مكلم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ"
أي عقول تلك التي تتغافل عن حقيقة حواها ذلكم القول تتلخص في جملة "كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ"
ما الذي كُتب؟!
إنها الأرض المقدسة!
إنها الحلم الذى طالما استقر فى قلوب الموحدين!
كيف تخاذلوا عنها و قد سمعوا قول من لا يكذب عن ربه إنها قد كتبت لهم فى ذلك الوقت ؟!
ومن كتبها لكم ؟!
أوليس هو الله القادر المقتدر الذي رأوا من الآيات والمعجزات من صنعه ما لم يره غيرهم!
كيف لم يكسبهم كل ذلك يقينا و توكلا على من أراهم تلك الآيات البينات فيثقوا فى موعوده ؟!!
كيف يكون مقابل كل ذلك = "إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ"
كيف؟!
أعتقد أن الإجابة دوما أنهم بنو إسرائيل وكفى
نسيج وحده لا مثيل لحقارتهم ودناءة نفوسهم وفراغ عقولهم إن صح أصلا أن يقال عما لديهم : عقول!
إنه التيه إ
وفي التيه كانت أحداث أخرى واختبارات أخرى
وكان المزيد من الفشل يتكرر مرة بعد مرة من هؤلاء الذين نجاهم الله من فرعون
لم تنقطع الاختبارات قط
حتى موسى عليه السلام على مقامه العظيم وهو الرسول الكليم
هو أيضا اختُبر في فترة التيه
وتعلم
هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا
لم يستنكف موسى عليه السلام أن يقول تلك الكلمات للخضر عليه السلام
لم يجد حرجًا أن يقطع المسافات ويجوب الفيافي ويستعد للسير أحقابا وهو النبي المكلم والرسول صاحب العزم ليتعلم من عبد من عباد الله أوتي علمًا لم يؤته موسى
لم يثنه مقامه ولم تعطله مكانته عن التواضع والاستماع والتعلم ممن اطلع على علم لم يبلغه وأحاط بحقائق لم يدركها وهو الخضر عليه السلام بل ويخاطبه بكل تواضع قائلًا: {ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرا}
ثم ينقضي عهد موسى عليه السلام ويلاقي ربه في سنوات التيه
ويأتي زمان من بعده بأنبياء جدد
وتستمر الاختبارات
ويتكرر من بني إسرائيل الفشل
عند اعتدائهم في السبت كان الفشل
وعند تمردهم على اختيار طالوت كان الفشل
وعند عصيانهم الأنبياء ففريقا كذبوا وفريقا قتلوا كان الفشل
وعند قولهم على مريم بهتانا عظيما كان الفشل
وعند معرفتهم بنبينا محمد ﷺ كما يعرفون أبناءهم ثم عداوته كان الفشل
توالت الأجيال
واستمرت الاختبارات
وتستمر..
ولن تتوقف
ولن تنزل كلمة النهاية كما يحدث في السينما
ببساطة لأننا لا نعيش داخل شاشة
هذه حياة
لا تنتهي لكل منا إلا بآخر نفس يلتقطه
عندئذ تكون النهاية وتتوقف الاختبارات وتنقضي الأعمال
ولا يكون بعد ذلك  إلا الحساب..
د.محمد علي يوسف
الاسمبريد إلكترونيرسالة